أوكرانيا... نحن والآخر

محمدابوالقاسم


في خضم الحرب التي تشنها روسيا على أوكرانيا خرجت وزيرة الخارجية البريطانية ليز تراس مصرحة بأنها تدعم دعوة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لتشكيل قوة مقاومة دولية من الخارج، خاصة أن شعب أوكرانيا يقاتل من أجل الحرية والديمقراطية، ليس فقط من أجل أوكرانيا ولكن من أجل أوروبا بأكملها. أما موقفها الأبرز فهو دعمها لانضمام المواطنين البريطانيين الراغبين للانضمام إلى لمقاتلين هناك. وبغض النظر عن مدى جدية وواقعية هذا الموقف لابد أنه صدم الكثيرين، وخاصة أولئك المؤمنين بأسطورة الغرب الحارس للسلم والأخلاق والقيم الإنسانية الكونية. فكيف لبريطانيا ومعها أوربا التي طالما صرخت منددة بتواجد المقاتلين الأجانب بدول النزاعات والتوترات في الشرق الأوسط أن تشجع تواجدهم بأوكرانيا؟ لماذا لم يصدر عن مسؤوليها أي موقف يحذر من خطورة هذه الخطوة وتداعياتها المستقبلية على الأمن الأوروبي، وهي التي كثيرا ما حذرت من وصول اللاجئين السوريين إلى أراضيها عبر تركيا خوفا من الإرهاب؟ وكيف لنا أن نتفهم التعامل الانتقائي لدول الجوار مع أفواج اللاجئين؟ هذا الأمر أوردته تقارير صحفية غطت الأحداث وأكدته شهادات لاجئين من بلدان عربية، فحضر الانتماء للدين المسيحي والعرق الأبيض والقارة الأوربية في خطابات ومواقف السياسيين وتغطيات الإعلاميين وسلوكات المواطنين العاديين. إن فهم المواقف والتوجهات في السياسات الدولية ينطلق من استيعاب وتحليل المصالح المتشابكة، والاعتبارات الجيوستراتيجية المعقدة، بعيدا عن المبادئ والمعايير والاعتبارات الأخلاقية، وهذه حقيقة لن يختلف حولها اثنان، لكن هذا لن يمنعنا من استحضار بعد لا يقل أهمية وهو البعد الثقافي الحضاري في العلاقات الدولية، البعد الذي أثبتت الوقائع التاريخية أنه دائم الحضور، لكنه يبرز بقوة ساعة النزاعات. ففي كل مكان بعالمنا وكلما دقت طبول الحرب وحضرت الأخطار، ازداد الانكماش حول الهوية والنزوع إلى تحالفات وولاءات ببعد ثقافي عرقي ديني أو قبلي في الكثير من الأحيان، ولدينا الكثير من الأمثلة المعاصرة التي تثبت حضور البعد الثقافي مفسرا أو مبررا للصراعات والتحالفات بمختلف مناطق العالم، بلبنان ونيجيريا وإيرلندا... الأمر الذي يفسر بناء الكثير من الكتاب والمفكرين لنظرياتهم حول المكون الثقافي، من خلال إعطاء الأولوية للبنية القيمية على البنية المادية، وأهمية الثقافة والهوية في تشكيل مصالح وسلوكيات الفاعلين في العلاقات الدولية وصياغة وتحديد النسق الدولي في تفاعل مع عناصر القوة المادية وتوزيع المصالح، وهو الأمر المشترك في كل مكان بالعالم، بعالمنا العربي الإسلامي حيث نرفع أكفنا بالدعاء بأن يحفظ الله المسلمين في كل مكان، وبالعالم الغربي الذي يرانا إرهابيين همجيين. ومهما اختلفت مواقفنا أو وجهات نظرنا حول الموضوع، فإن الاستمرار في التقوقع حول الذات واتهام الآخر لن يزيد النقاش إلا عقما، فالحروب تحمل المآسي كما تحمل العبر، وقد تكون فرصة للتفكير بمنطق إنساني بعيد عن جلد الذات أو تخوين الآخر.